الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
335
آيات الولاية في القرآن
فطبقاً لهذه الرواية الشريفة أن العامل الوحيد للضلالة والابتعاد عن الحقّ هو البحث غير المنطقي والجدال من موقع الخصومة والتعصّب المذهبي . سؤال : لما ذا كانت جميع أسباب وعوامل الضلالة والزيغ تمتد بجذورها إلى الجدال بالباطل ؟ الجواب : لأن الإنسان لو وجد في نفسه إذعاناً وتسليماً للحقّ فإنّ الدعاة إلى الحقّ كثيرون في هذه الدنيا وبإمكان الإنسان أن يجد طريق الهداية والإيمان الصحيح بيسر وسهولة ، وقد ورد أن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام في جوابه لهارون الرشيد عندما طلب منه الموعظة والنصيحة قال : « ما مِنْ شَيءٍ تَراهُ عَيْناكَ إلّا وَفِيهِ مَوْعِظَةٌ » « 1 » . أي أن جميع ما في الأرض من كائنات ومخلوقات وظواهر طبيعية هي في الحقيقة موعظة لمن فتح قلبه على اللَّه والحقّ ، فالسماء بكلِّ ما تحوي مجرّات عظيمة وشموس منيرة ما هي إلّا موعظة ، ظاهرة الزمان والمكان موعظة ، الحوادث المفرحة والمرّة موعظة ، أجل فكلّ هذه الأمور تكون موعظة بشرط أن يتمتع الإنسان باذنٌ واعية وعينٌ بصيرة وفؤاد حيّ . وتأسيساً على هذا فإنّ الحقّ لا يخفى على طلّاب الحقّ وعشّاق الحقيقة ، ومن وقع في وادي الضلالة والانحراف فإنه يعاني من مشكلة في واقعه النفساني قبل كلِّ شيء وبالتالي يعيش مرض الجدال بالباطل . وقد اتّضح ممّا تقدّم أنه لا تفاوت بين المباحث والمواضيع الدينية والأخلاقية والسياسية وأمثال ذلك ، فمثلًا ما نقرأه في الصحف والإعلام حول المسائل السياسية يتدخل فيه هذا العنصر بالذات ، أي أن كلُّ طرف من الأطراف المتنازعة لا يريد أن يذعن ويسلّم للحقّ بل يريد أن يحكّم رأيه ويفرض نظره على الآخرين بعيداً عن معايير الحقِّ والإنصاف ، وإلّا فإنّ تشخيص الحقّ في المسائل السياسية لا يكون مشكلًا وعسيراً أيضاً ، ولكن عندما تتدخل المسألة في إطار التعصّب المذهبي والمنافع الشخصية والحزبية فإنّ
--> ( 1 ) ميزان الحكمة : باب 4120 ، ح 21711 .